مدن تسكننا
مدن نسكنها وأخرى تسكننا وغالبا ما تكون هذه الأخيرة مسقط الرأس أو مدينة أودعنا فيها ذكريات جميلة نحن إليها أو شعرنا بانسجام معها لا نعرف أسبابه.
ذكرياتنا الجميلة أو الحزينة أشلاء مبعثرة في المدن المختلفة التي عشنا فيها أو زرناها ولهذا تشتاق إليها نفوسنا وتئب إليها أفئدتنا، وهي وإن غادرناها فلا تغادرنا بل تسكن في زوايا الذاكرة وخرائط المخيلة.
مكة المكرمة سكنت في وجداني واستقرت في نياط قلبي، أحببتها حب الولد لوالده وأشعر بحنين إليها يملأ جنباتي ، تغمرني الطمأنينة وأنا أجوس خلال أزقتها أو أصعد ثنياتها أو أصول في أسواقها .
كلما مشيت إلى الحرم مهوى الأفئدة تجدد شوقي وزاد حبوري أرى المعتمرين يتعاقبون في الطرقات منهم من أدى عمرته ومنهم من لم يقضها بعد . .
سماء مكة غير السماء وهواؤها خير هواء وطعامها أشهى من غيره وهاهي الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما تصف لنا مكة قالت : لولا الهجرة لسكنت مكة، إني لم أر السماء بمكان قط أقرب إلى الأرض منها بمكة، ولم يطمئن قلبي ببلد قط ما اطمأن بمكة، ولم أر القمر بمكان أحسن منه بمكة.
هذه المدينة التي لا تنام -وما أكثر المدن التي لا تنام- غير أنها تسهر لأجل الطائفين والركع السجود الذين وفدوا إليها من كل حدب وصوب.
استقبلتني مكة بأذرعها الواسعة وضمتني إلى صدرها الرحب فلم أشعر فيها بغربة وما رأيت فيها كربة لكنها أخافتني مراراً وقضت مضجعي ليالي لهيبتها وحرمتها
ولأنها تنفي من ألحد فيها وأنا امرؤ مسرف على نفسه أخشى أن تخرجني فيعز عليّ فراقها كما قال الرحالة العبدري:
وكنــت علــى ألاّ أفــارقَ ربعهـا
ولكننــي مـن شـُؤمِ ذنـبيَ عـوّقْتُ
ولما تذكرت وشك رحلتي الأخيرة توغلت في طرقاتها لأتزود النظرة الأخيرة منها وطفت الكعبة وانطلقت في باحات المسجد كاملة ومررت بشعب بني هاشم ثم صعدت ثنية كداء مرورا بمقبرة المعلاة وسوق العتيبة وشارع الحج ثم نزلت من طلعة الحدادة في الخنساء ثم جُبت العزيزية والعوالي ولساني يلهج بقول بلال رضي الله عنه :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة
وهل تبدون لي شامة وطفيل
ومن تلكمُ المدن المدينة المنورة كيف لا وهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبة الطيبة التي اجتمع الناس على روحانيتها وهدوئها وحسن أخلاق أهلها.
أدخلها وضرام الشوق يشتعل في فؤادي حتى أنتهى إلى قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم والرقاب عنده مطرقة والعيون منهمرة والأصوات خافتة فأحلّق في سماء محبته وأتسامى إلى فضاء أنواره وأخرج منه خفيف النفس مرتاح البال .
ثم أجلس في الحصوة فينتابني شعور الجمام والأنس ويتسرب الخشوع إلى نفسي ولا أكاد أخفي نشيجي وأنا أسمع المؤذن يترنم ب أشهد أن محمداً رسول الله وأنا في مسجده وأمام قبره عليه الصلاة والسلام منعمَ النظر في القبة الخضراء.
أنعم بها قبة باتت علَما للمصطفى عليه الصلاة والسلام.
عندما أتمشى في المدينة يشرد ذهني ويسرح في خياله فهذه ديار بني النجار وبني عبدالأشهل وتلك مزارع بني عوف وبستان سلمان الفارسي وبئر أريس وهنا الخندق ومساجد الستة وهناك يبدو أحد بعظمته وهذا مسجد قباء محفوفا بالنخيل وذاك وداي العقيق وعلى جنبه قصر عروة يا الله ما أجمل المدينة! هل أنا فعلا أتمشى في المدينة القديمة أم الزمان قد أخذني إليها.
أما أنقرة وإصطنبول هاتان الفاتنتان تسحر الأنظار وتخطف الأبصار :
أنقرة بروعة طبيعتها وهدوء أحيائها واصطنبول بجمال شواطئها وعراقة مبانيها ، واتساعها فهي مدن في مدينة.
لما أتنزه في اصطنبول تتنازعني مشاعر متضادة فمرة أفرح وأخرى أحزن ، أفرح لأني أخطو في حاضرة المدن الشرقية وعروسة العواصم مستمعا بمناظرها الأخّاذة ومآثر أبنائها ثم تخنقني غصة في حلقي وعبرة في مقلتي كلما تذكر أن فيها ذُكِيّت دولة المسلمين وعقرت وحدتهم ولم تقم لهم قائمة إلى الآن ثم أسلّي نفسي المكلوبة بأنها ما زالت على أيدي المسلمين وأن الأيام دول وهكذا المدن العريقة تفرض علينا سطوتها.
ويوجد مدن دون تلك لم أحط فيها رحلي وما برحت أتمنى زيارتها ومنها دمشق وبغداد والكوفة والقاهرة وريف سويسرا فلعل الأقدار تقودني إليها يوما إن شاء الله.
تعليقات
إرسال تعليق