المشاركات

مدن تسكننا

 مدن نسكنها وأخرى تسكننا  وغالبا ما تكون هذه الأخيرة  مسقط الرأس  أو مدينة أودعنا فيها ذكريات جميلة نحن إليها أو  شعرنا بانسجام معها لا نعرف أسبابه. ذكرياتنا الجميلة أو الحزينة أشلاء مبعثرة في المدن المختلفة التي عشنا فيها أو زرناها ولهذا تشتاق إليها نفوسنا وتئب إليها أفئدتنا، وهي وإن غادرناها فلا تغادرنا بل تسكن في زوايا الذاكرة وخرائط المخيلة. مكة المكرمة سكنت في وجداني واستقرت في نياط قلبي، أحببتها حب الولد لوالده وأشعر بحنين إليها يملأ جنباتي ، تغمرني الطمأنينة وأنا أجوس خلال أزقتها أو أصعد ثنياتها أو أصول في أسواقها . كلما مشيت إلى الحرم مهوى الأفئدة تجدد شوقي وزاد حبوري أرى المعتمرين يتعاقبون في الطرقات  منهم من أدى عمرته ومنهم من لم يقضها بعد . . سماء مكة غير السماء وهواؤها خير هواء وطعامها أشهى من غيره وهاهي الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما تصف لنا مكة قالت : لولا الهجرة لسكنت مكة، إني لم أر السماء بمكان قط أقرب إلى الأرض منها بمكة، ولم يطمئن قلبي ببلد قط ما اطمأن بمكة، ولم أر القمر بمكان أحسن منه بمكة. هذه المدينة  التي لا تنام -وما أكث...

ما أشبه الإنسان باليوم

 بدأ الليلُ يتصرم رويداً حتى ظهر على الأفق ضوء الفجر الخافت وبسط نوره على الكون وهبّ نسيم السحر وانحسر سكون الصريم إيذانا بولادة يوم جديد . بعد مخاض طويل في جوف اللّيل الحالك وُلد الصباح  وطلعت الشمس بأشعتها الخافتة تزيح ما تبقى من الغلس دبت الحياة في الكون وانتشر الناس في أرجائه غادين في شؤونهم اليومية ومتهنئين بالمولود الجديد. ولم يزل المولود يكبر وينمو ساعة تلو أخرى حتى اشتدت الضحوة واشتدت معها فتوته ثم استوت الشمس في كبد السماء واختفى الظل . هذه الساعات من أول النهار تشبه مرحلة الشباب الذهبية للإنسان إذ تُنجز فيها ما لا ينتجز في سائر اليوم . قاظ النهار وارتفعت الحرارة فتفرق الناس يتفيؤون تحت الظلال وخفت الحركة. في هذه الساعات التي جمعت بين وهج الحرارة وبرودة الظل  تمثل مرحلة اكتمال الإنسان حين يبلغ أشده ويكتمل عقله ويزهد في آراء الناس عنه كما لم يفعل في شبابه ، وهذه أيضاً فترة تمتزج القوة بالحكمة وتعتدل فيها الكفتان. بدأ الحِراك من جديد  وطفق الناس ينجزون ما تبقى لهم من شؤونهم ومالت الشمس إلى الغروب وآذنت الرحيل فتهيأ الناس للعودة إلى دورهم كما يتهيأ الإنسان في...